رقّ عظمها , وانحنى ظهرها ..
لم تنبس بحرف , تحلق بعينيها في فضاءات الحرم , وتنظر للمجموعات المزعجة بحديثها ,
شعرت برغبتها في مشاركتهم الحديث ..
.
أكملتُ قراءتي , لا مبالية بروحها المشردة ..
.
وقفت إحداهن لتجلس بجوارها من الجهة الأخرى , أسرعت بفرش سجادتها لها ولمن ستجاورها إكراما لها ..
كانت مشغولة بابنتها التي تأخرت عليها , فلم تنتبه للسجادة ..
فأشارت لها أن اجلسي ..
فقالت : جزاج الله خير .. وبقيت واقفة , تحدث ابنتها ..
ثم أعادت الكرة مشيرة لها , أن اجلسي هنا , فشكرتها أخرى ( جزاج الله خير) ..
ضمت أصابعها , وقبلتها , وأرسلتها عالياً لتك الواقفة ..!
.
مضى كثير من الصمت ..
أحببتُ خرقهُ ..
سألتها : أأنت من مصر .؟
نظرت إلي صامتة .. ( لم تفهم ما قلته )
أعدتُ السؤال أخرى , ثم سألتها من المغرب .؟ من الجزائر .؟ …..؟
أجابت بصوت خافت : تونسّيا..
-آها , حياكِ الله .., كانت معنا في إحدى الرحلات , أخت تونسية , تسكن في مدينتنا ..
- أنت من مكة ؟
- لست من مكة ..
-اهل تونس , والمغرب , والجزائر ( …ـلين) ..
-هززت رأسي , جاهلة معنى الكلمة , والتي لا أتذكرها الآن ..!
ثمّ فهمتها في مجمل كلامها أنهم قليلين..
.
أظهرت لي بطاقتها المعلّقة , والتي قد غُطيت بثيابها ..
شكتْ لي :
أني كلما أظهرها لأحدٍ في طريقي , يشير لي بكتفيه لا أعلم ..!
وأنا لا أعلم طريق الفندق الذي أسكن فيه .!
ولا أعرف القراءة ..
وفي كل مرة أسير بلا دليل أو علم ..
أقف باكية , خجلى من أن ينظر أحد لغيث دمعاتي , منكسرة في قارعة الطريق ..
يا ربّ , يا ربّ (ما تضيعني ) .. يا ربِي ما تضيعني ..
ثم ما إن أمسح دمعْي بكفي , وأرى النور , إلا والفندق من أمامي ..
قاطعتها , سبحان الله ..!
استدركتُ : الحمدلله ..!
,
بل وحتى من معي في الفندق (ثلاث نساء في الغرفة معي ) , كلهن كبيرات في السن ..
وحينما أقول لهن ما رأيكن أن نذهب سوياً , يجبن بـ لا ..
,
وحينما وافقن مرة على إصراري , وذهبت معهن ..
دقائق , وإذا بالطريق خالي من رفيقاتي , كُلن قد سار وحده , وبقيت وحدي ,
لا أحد معي , سوى ربي , ونعم الرفيق ..
.
والآن أصبحت لا أذهب في اليوم إلا مرة واحدة , (من صلاة الظهر , وحتى التراويح ) خوفاً من أضيع في اليوم أكثر من مرة ..
.
.
ابنتي : هي من بعثتني في هذه الرحلة , حيث تعمل في هذه الشركة ..
.
.
أنا أمتلك (موبايل) , قالتها مسرورة .. أخرجته لي كي أراه ..
لكني لا أستطيع الاتصال بأحد, ابنتي هي من تتصل بي , ثم أبكي وتبكي , (هكذا محادثتهم ..!)
.
.
سألتها لأتأكد هل أنت هنا وحدك ِ.؟ فأجابت أن نعم ..
أليس معك ابنتك , أو أحد أبناءك ؟..لا
أليس لديك أولاد ؟ ليس لدي سوى ثلاث بنات ..
أوقفني صوت المؤذن يصدح بالله أكبر ,
وعيني تسكنها الدمعة , وقلبي منشغل بالمرأة .. ( المرأة في فطرتها ضعيفة , كيف إذا زاد الضعف ولم يكن بجوارها رجل )
..
ازدحم المكان بالمصليات , وجاءت فتاة لتصلي بيني وبينها , فأحببت أن أختم لها بدعوة , وهي قد انشغلت بدعائها ..
- الله معكِ , لن يضيعكِ ..
-رفعت رأسها , وهزت رأسها , ووجها قد بُلل بدمعاتها ..
.
انتهى فصلٌ من المشهد الذي حكته لي بلسانها , وفصول أخرى لم يسع الوقت لذكرها , ومشاهد قد تخجل من ذكرها , وأجزاء كثيرة لا تستطيع وصفها ..
.
لكن المسرحية لم تنتهي , كيف حال المرأة بقية مكثها في مدينة رسول الله ,
ثم كيف سيكون حالها حينما تصل لمكة , كيف ستعتمر وحدها .!
من سينبهها حين الخطأ ..
من سيحملها في العربة إن أرهقت من المشي , بين الصفا والمروة ..
من سيكون حولها في بيت الله الواسع ,
ذو الأبواب الكثيرة المتشابهة , كيف ستصل إلى مسكنها ..؟
وهي لا تقرأ ولا تكتب .!
من سيكون معها ..!
لا أحد سوى الله ,
لا حيلة لها سوى دمعات مختلطة بدعوات ترفعهم لمن يسر لها تلك العمرة , أن ييسر لها بقية الطريق ..
فعلاً حالتها مبكية ..
وضوء آخر من فصول المسرحية ,’
جكمة الله التي قد شرعت للأنثى رجلاً يقوم عليها , ويساندها في أمورها ..
حكمة الله التي أوجبت للنساء ( المحرم) في السفر ..
حكمة الله التي أسقطت عن الأنثى تكاليف الحج والعمرة , إن لم تجده , مع أن الحج ركناً في الاسلام ..!
.
ثم نأتي ونطالب الحرية للمرأة بأن تذهب كيف تشاء , وتسافر أينما ترغب , بلا رجل يقف معها ..
طبيعة المرأة مهما أوتيت من قوة ’ تبقى ضعيفة , لو أضاعت المكان التي تنوي الذهاب إليه لوقفت باكية, لا تستطيع التصرف ..
في مشاهد نحبها , نشعر فيها بالعزة , حينما يحمل الرجل أمتعته وأمتعة المرأة التي هو قائم عليها ,
حينما يتولى الرجل مسائل السكن , فتراه يبحث عن شيء يناسبها ويرضي غرورها
وهي مرتاحة في مكانها ..
.
ابنة هذه المرأة قد أحسنت إلى أمها حينما أرسلتها للعمرة , ولكنها حتما لم يخطر ببالها أنها ستسيء إليها بذهابها وحدها ..
ونحن كم أسأنا في بخلنا بنشر تعاليم ديننا , حتى الأمور الواضحة التي نظن الجميع يعرفها , هم في أشد الحاجة إلى معرفها ..
جهل مخيف يحيط بهم في مناطق مختلفة من الأرض , بل وحتى في بلادنا, وقفت على مشاهد منها , لعلي أذكر أحدها ..
ونحن نستحي أن نعلمهم , ظناَ منهم أنهم يعرفونها ..!
مسائل الصلاة , وبقية أركان الاسلام , بل وحتى الأمور البسيطة كالسواك مثلا , لا يعرفون كيف يستخدم؟!
.
لعلي أقف هاهنا , وأحب تذكيركم حينما تذهبون إلى أحد الحرمين الشريفين كونوا بالقرب من أخواتكم من بقاع الأرض وعلموهم أمور الدين , وأحكام الصلاة والطهارة , ومسائل العقيدة , فغالبهم في جهل , وأيضاً هم بشوق لـسماع ماتقولينه لهم , يفرحون بما تهدين لهم من كتيبات وغيرها ..
باختصار : بشغف لتعلم أمور دينهم .